فخر الدين الرازي
26
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
سبيل اللّه نفسه وماله ، وزكى بترك ما سواه أعماله ، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله ، فيحرر في جرائد المحبين اسمه ، ويقرر في أقسام المقربين قسمه ، وإليه الإشارة بقوله : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا يعني أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين ، بل لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين . فائدة ثانية : وهي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلما فإن ما دونه دركات الكفر ، فالإسلام أول درجة تحصل للعبد فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه وأثبت قسمه ، لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضا في شغله ماضيا في فعله ، فينقل من خدمة إلى خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة ، ومنهم من يكون كسلانا متخلفا فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها ، ومنهم من يترك على شغله من غير تغيير ، ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه ، فكذلك عباد اللّه قد يكون المسلم عابدا مقبلا على العبادة مقبولا للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين وهي درجة المقربين ومنهم من يكون قليل الطاعة مشتغلا بالخلاعة ، فينقل إلى مرتبة دونه وهي مرتبة العصاة ومنزلة القساة ، وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروما ويلحق بأهل العناد مرجوما ، ومنهم من يبقى في أول درجة الجنة وهم البله ، فقال اللّه بشارة للمطيع الناهض أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا يعني أظنوا أنهم يتركون في أول المقامات لا ، بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى : وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . . عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً [ النساء : 95 ] . وقال بضده للكسلان أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا يعني إذا قال آمنت ويتخلف / بالعصيان يترك ويرضى منه ، لا بل ينقل إلى مقام أدنى وهو مقام العاصي أو الكافر . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 3 ] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 ) ذكر اللّه ما يوجب تسليتهم فقال : كذلك فعل اللّه بمن قبلكم ولم يتركهم بمجرد قولهم آمَنَّا بل فرض عليهم الطاعات وأوجب عليهم وفي قوله : فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وجوه : الأول : قول مقاتل فليرين اللّه الثاني : فليظهرن اللّه الثالث : فليميزن اللّه ، فالحاصل على هذا هو أن المفسرين ظنوا أن حمل الآية على ظاهرها يوجب تجدد علم اللّه واللّه عالم بالصادق والكاذب قبل الامتحان ، فكيف يمكن أن يقال بعلمه عند الامتحان فنقول الآية محمولة على ظاهرها وذلك أن علم اللّه صفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع ، فقبل التكليف كان اللّه يعلم أن زيدا مثلا سيطيع وعمرا سيعصي ، ثم وقت التكليف والإتيان يعلم أنه مطيع والآخر عاص وبعد الإتيان يعلم أنه أطاع والآخر عصى ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال ، وإنما المتغير المعلوم ونبين هذا بمثال من الحسيات وللّه المثل الأعلى ، وهو أن المرآة الصافية الصقيلة إذا علقت من موضع وقوبل بوجهها جهة ولم تحرك ثم عبر عليها زيد لابسا ثوبا أبيض ظهر فيها زيد في ثوب أبيض ، وإذا عبر عليها عمرو في لباس أصفر يظهر فيها كذلك فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديدا تغيرت ، أو يقع له أنها في تدويرها تبدلت ، أو يذهب فهمه إلى أنها في صقالتها اختلفت أو يخطر بباله أنها عن سكانها انتقلت ، لا يقع لأحد شيء من هذه الأشياء ويقطع بأن المتغير الخارجات ، فافهم علم اللّه من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال ، فإن المرآة ممكنة التغير وعلم اللّه غير ممكن عليه ذلك فقوله : فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا يعني يقع ممن يعلم اللّه أن يطيع الطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ يعني من قال أنا مؤمن وكان صادقا عند فرض العبادات